فخر الدين الرازي

89

شرح عيون الحكمة

يكون هذا رجوعا إلى ادعاء البديهة في أول الدعوى . ومعلوم أنه باطل . أما قوله « ومجموع نقطتين أكثر من نقطة . ليس أكثر من نقطة . لأن النقطة لا حصة لها في الكبر ، بل في العدد . والبعد له حصة في الكبر ، والعدد له حصة في الكثرة » فاعلم : أن هذا جواب عن سؤال مقدر . وهو أن يقال : أليس إذا فرضنا أن ( شبكنا ) خطا من خط آخر بطرفه ، فطرفا الخطين قد صارا واحدا في الوضع والإشارة . وذلك يقتضى تداخل تينك النقطتين بالأسر ، فإذا جوزتم تداخل النقطتين ، فلم لا يجوز تداخل البعدين ؟ وأجاب عنه : بأن النقطة ليس لها مقدار ، فلا يلزم من اجتماعهما حصول الزيادة في المقدار . وأما البعد فله مقدار ، فيلزم من اجتماع البعدين حصول الزيادة في المقدار . ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف . وبيانه من وجهين : الأول : ان اجتماع البعدين انما يوجب الزيادة في المقدار ، إذا لم تكن كلية أحدهما نافذة في كلية الآخر . أما إذا حصل النفود بالكلية ، فهناك يمتنع حصول الزيادة في المقدار . فثبت : أن ادعاء أنه يلزم من اجتماع البعدين ، حصول الزيادة في المقدار ، انما يصح لو ثبت أن نفود بعد في بعد محال . وان كانت هذه المقدمة بديهة ، فاتركوا هذه التطويلات ، وان كانت برهانية فأنقم بينتم امتناعها بقولكم : ان اجتماع البعدين يوجب الزيادة في المقدار . ونحن بينا أن هذا انما يصح لو ثبت امتناع النفود على الأبعاد ، فلزم توقف الدليل على المدلول ، والمدلول على الدليل . وهو باطل . والوجه الثاني : هو أنه كما يعقل تماس الخطين بنقطتين ، فكذلك يعقل تماس السطحين بخطين ، وتماس الجسمين بسطحين . وعند حصول هذا التماس ، يلزم تداخل الخطين وتداخل السطحين ، مع أن مقدار الخطين ليس أزيد من مقدار الخط الواحد ، ومقدار السطحين ليس أزيد من مقدار السطح الواحد ، فإذا جاز ذلك ، فلم لا يجوز مثله في هذا الموضع ؟